|
1- جنس في طور الانقراض
ردا على سؤال منى خالد أمين رئيس قسم التفاعلات الحية في
الجزيرة نت
إذا تمعنا كتاب درابر (الصراع بين العلم والدين) ومئات
إطروحات الدكتوراه حول ما يسمى بمحاكم التفتيش، يجد المرء نفسه أمام الثمن
الذي دفعته النخبة الفكرية والعلمية في أوربة للتخلص من الطغيان الثلاثي:
طغيان الإقطاع الذي يتعامل مع الناس والماشية بإسلوب واحد، طغيان الكنيسة
التي اعتبرت الخلاف سببا كافيا لحرق جسد العلماء أحياء حتى لا يلوث دمهم
طهارة الأرض، وطغيان فكرة استئصال الرأي الآخر عبر الأجهزة التي بنتها سلطة
الإقطاع والكنيسة. لكن الثمن الأهم، المباشر وغير
المباشر لهذا الطغيان، هو غياب أوربة من ساحة التاريخ والجغرافيا، أي
تحولها لكتلة صماء مغلقة ومنغلقة غير قادرة على أن تكون طرفا في أي شكل من
أشكال المشاركة والتفاعل في ما يسمى الإبداع الحضاري والإنساني، علميا كان
أو فكريا.
ثورة الإنسان على هذا الثلاثي مع الثمن الباهظ الذي تم
دفعه، غيّر خارطة العالم بشكل جذري في ثاني أكبر عملية غسل دم على صعيد
كوكبنا بعد الفتح الإسلامي. الحضارة الغربية أخذت مكانها منذ قبلت أولا
بالمنتجات الذهنية لكل مكوناتها، وثانيا باعتبار حركة الفكر كحركة البضاعة
عابرة للحدود، وثالثا باعتبار المبارزة السلمية بين المكونات المجتمعية على
اختلافها العنصر الوجودي الأقوى للأمن القومي والسيادة والتقدم.
في ظل الاحتقار الشعبي العربي الجماعي لصحافة الحزب الواحد
والملهم القائد والمراسلات على طريقة غونتنامو، وفي حقبة الصوت الأقوى فيها
فوق الطبقات وفوق الجنسيات والثقافات، صوت يرفض التقيد بالحدود منذ منحته
ذلك المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. صوت يقول بأن ثورة
الاتصالات حق مشترك لكل البشر. تأتي هذه الصرخة لوزراء الإعلام العرب
كأبلغ تعبير ذاتي عن الاحتضار لجنس في طور الإنقراض: صرخة لا أخلاقية تحتمي
بالأخلاق وسوط قمعي يستنجد بالأمن والقضبان ليؤكد إخلاصه للسلطان، آخر
قَسَم للطاعة والصمت في هذا الوجود الصاخب. وجود عالمي يعرف أسياده الكبار،
أن قبولهم لمبدأ عدم اعتبار الحديث في خطاياهم ومفاسدهم بل وجرائمهم سرا
من أسرار الدولة، يشكل أحد أعمدة استمرار المنظومة بأكملها. وأن ضجيج
الأصوات ليس فقط وسيلة التعبير عن الذات التي تخفف احتقانات العنف والتمرد،
بل الرئة التي تسمح أيضا، للحاكم قبل المحكوم، بكل الآفات والموبقات.
2- أسوأ وثيقة
وردا على أسئلة الصحفية
ناهد العلي من الشرق القطرية، (السبت
22/3/2008 ):
وصف هيثم مناع، المتحدث باسم اللجنة العربية لحقوق الإنسان
وثيقة وزراء الإعلام العرب بقوله إنها "أسوأ وثيقة".
مضيفا:
لعلنا أمام أغرب وثيقة إعلامية منذ سقوط الرايخ الثالث
ونهاية حقبة غوبلز وزير إعلام الحزب القومي الاشتراكي الألماني. نحن أمام
حديث عن وثيقة شرف، أمر غير ملزم بالمعنى القانوني ولكنه أكثر تأثيرا من
الناحية النفسية الجماعية. مثلا نحن لدينا وثيقة شرف للأطباء لتحريم ممارسة
أو تغطية جريمة التعذيب، هذه وثيقة شرف يعتز الأطباء بالالتزام بها
باعتبارها تترجم دور الطبيب في الدفاع عن سلامة النفس والجسد. لدينا وثيقة
شرف لنشطاء حقوق الإنسان قمت بصياغتها في 1996 نجد فيها مطالبة بأداء أفضل
وتنبيه من كل فساد أو سوء إدارة مالية أو تمييز في النضال اليومي، بمعنى أن
الأساس تحسين الأداء ورفع مستوى حركة حقوق الإنسان وسمعتها. هنا الأمر
يختلف، نحن أمام وثيقة مقيدة لمهنية الصحفي، مثبتة لدور السلطة التنفيذية
ومغمضة العين إن لم نقل متواطئة مع قوانين الصحافة التسلطية في العديد من
البلدان العربية. الصحفي هو مؤرخ اللحظة، الشاهد على مكانه وزمانه، المراقب
الأمين دون مقص وخارج عقلية الاستئصال والتهميش. أي أن مهمة الصحفي وضع حد
لوزارة إعلام لم تعد موجودة إلا في الدول التي تعتبر المواطن كالخاروف
بحاجة إلى الراعي. إذن مجرد أن تعطى الوزارة التي كان مبرر وجودها الوحيد
مراقبة وتقييد المحكوم وتمجيد ومديح الحاكم، مجرد أن تعطى هذه الوزارة
صلاحية صياغة دروس أخلاقية فيما يتعلق بحرية التعبير، نحن أمام مفارقة
سريالية.
ليس وزراء الإعلام من يحق لهم وضع نظم العمل الصحفي لأنهم
بطبيعتهم في مواجهة مفتوحة مع الصحافة الحرة والمستقلة عن السلطة
التنفيذية.
وعلى التساؤل حول الطبيعة الملزمة لهكذا وثيقة قال:
- الفضيحة، أن هذا الإعلان غير الملزم بالمعنى القانوني
أقوى من أي التزام بعهد أو اتفاقية دولية لسبب بسيط، أنه يصب في مصلحة
السلطة التنفيذية على
حساب
السلطات الأخرى والمجتمع غير الحكومي، وأنه يمكن أن يمهد لمصالحة عربية
إعلامية تحدد من دور المعارضات ونشطاء حقوق الإنسان في الفضائيات الناطقة
بالعربية. الانتهاكات التي عرفتها المنطقة العربية في الشهرين الأخيرين
وطريقة تناولها من محطات كبيرة، تدل على أن الرسالة قد وصلت، صحيح أن
الداعي لها الحكومة المصرية، ولكن صحيح أيضا أن من يلتزم بها أكثر بكثير
مما نتصور ويخطر على بال. ليضيف أخيرا: كنت شخصيا أتمنى أن لا تدخل
موريتانيا هذه التجربة المرّة.
22-03-2008 |