|
حوار - وليد خليفة
في 17 من آذار/مارس 2009، عقدت اللجنة
العربية لحقوق الإنسان ومنظمة العدالة العالمية "وهي جمعيات مؤسسة للتحالف
الدولي لملاحقة مجرمي الحرب الذي تشكل في أوروبا"، مؤتمرا على هامش أعمال
مجلس حقوق الإنسان حول غزة، والاختصاص الجنائي العالمي والمحكمة الجنائية
الدولية.
في هذا الاجتماع، الذي حضره أهم
المتابعين لملف غزة من النرويج وجنوب إفريقيا إلى فلسطين، ومنسق التحالف
الدولي، المتحدث باسم اللجنة العربية لحقوق الإنسان يتجنب قدر المستطاع
الحديث للإعلام، بل لقد رفض التدخل على أكثر من محطة تلفزيونية، واعتذر
لمؤتمرات دولية مهمة ذات علاقة بمحاسبة مجرمي الحرب الإسرائيليين، وتحدثت
عدة أطراف عن استقالته من التحالف الدولي، وبالفعل، تأكد لنا أن الدكتور
مناع وجه رسالة يعتبر فترة ولايته قد انتهت في أول شهر يونيو/تموز طالبا
الاجتماع لانتخاب وجوه جديدة، ولكن طلبت منه أهم المنظمات، العضو في
التحالف، الاستمرار بمهمته.
فما الذي يحدث في أروقة التحالف الدولي
لملاحقة مجرمي الحرب؟، ما هو السبب في تجنب صاحب نظرية "الحملات الإعلامية
الحقوقية كقوة ضغط"، استعمال الإعلام كوسيلة من وسائل الانتصار لقضية نبيلة
هى محاسبة المجرمين عن مجزرة "الرصاص المصبوب"؟ وهل صحيح أن الضغوط
والمشاكل الأهم حتى اليوم في قضية غزة سببها عربي أكثر منه غربيا، أم أن
العربي والغربي يتكاملان في خدمة العدوان مباشرة أو بشكل غير مباشر؟ وأن
أطراف عربية كثيرة تسعى للسيطرة على هذا العمل أو وضعه تحت الرقابة بحيث
تتمكن من استثماره لمصلحتها، كذلك هناك أحزاب ومنظمات تعتبر قضية غزة ملكا
حصريا لها، وبالتالي تتعامل مع هذا الجسم الدولي الضخم المسمى بالتحالف
الدولي لملاحقة مجرمي الحرب باعتباره جسما غريبا يمكن أن يعكر صفو مشاريعها
الخاصة؟
للاستيضاح عن كل هذه الأسئلة وغيرها خص
الدكتور هيثم مناع، الناطق باسم اللجنة العربية لحقوق الانسان، جريدة
"السياسي" بحديث صريح جدا. وهذا نصه:
لم نسمع منك منذ زمن، تكتب أقل، وتتحدث
للإعلام بشكل شحيح، بل حتى تواصلك معنا أقل بكثير من السابق، منذ مطلع هذا
العام، هل قررت الاعتكاف في مكتبك؟ هل نسيت محاضراتك حول الحملات الإعلامية
ودورها في خدمة قضايا حقوق الإنسان؟
صباح الخير، لا لم أنس، لكن في ظروف
صعبة ووضع حساس، الصمت هو وسيلة التعبير الأكثر رقيا للتعامل مع الأوضاع.
هل الصمت بمعنى تجنب المعارك والمواجهة
أم العمل الصامت؟
العمل الصامت بالتأكيد وتجنب المعارك
السطحية وغير المجدية أيضا.
هناك حديث عن خلافات عميقة داخل التحالف
الدولي لملاحقة مجرمي الحرب، ما طبيعتها، ومن هم أطراف الخلاف؟
يصعب طرح المشكلة بهذا الشكل، التحالف
كمنظمات غير حكومية منسجم ومتعاون بنسبة تفوق 90% من منظماته ومكوناته، لكن
بالتأكيد في أي عمل بهذه الضخامة حول موضوع بهذه الأهمية سيتعرض لمشاكل
خارجية ومحاولات استهداف مباشرة وغير مباشرة، لن تعفينا من محاولات التأثير
في المطبخ الداخلي أو استثمار الجهد الحاصل لمصالح آنية ودعائية لهذا الطرف
أو ذاك، أنت لك تجربة شخصية وغنية مع قضايا المنطقة وتعقيداتها، وتعرف كيف
تصبح المسائل عندما يتعلق الأمر "بالإسرائيلي".
بصراحة، علمت أن هناك ثمانية أطراف
حكومية تحاول استقطاب العمل لصالحها وليس طرفا واحدا، وأطراف شبه حكومية،
هل تعتبرون أنفسكم من القوة بحيث تواجهون كل هذه الحيتان الضارية قبل
الوصول لهدفكم الأساسي: مجرمو الحرب الإسرائيليون؟
أولا، ليست هذه أول مرة تتدخل فيها
حكومات أو تتبنى فيها حكومات قضايا تحمل لواءها المنظمات غير الحكومية،
وهذا الأمر يمكن أن يكون بنّاءً ومعززا للقضية نفسها إذا احترم كل طرف دوره
وعرف التخوم وأحسن إدارة التقاطعات الموجودة بالضرورة، تبدأ المشكلة عندما
تتحرك الحكومة بعقلية مصلحة الحكومة لا الدفاع عن الضحايا والمنعكس الشرطي
التسلطي الذي يشكك بكل عمل غير حكومي، مثل بسيط، في التحالف، وهذا هو
الطبيعي، رابطة جزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان وعدد من المحامين
الجزائريين.
نظمت الحكومة الجزائرية مؤتمرا حول
المحاسبة، فاستبعدت التحالف الدولي واستبعدت الرابطة الجزائرية والمحامين
الجزائريين، وطلبت من أحد المحامين في التحالف الحضور بوصفه خبيرا قانونيا،
إيران تعلمت أيضا قصة الخبير القانوني الدولي حتى لا تتعامل مع منظمات غير
حكومية.. البعض من حملة لقب "خبير في القانون الجنائي الدولي" أدرك أن
التسعيرة أغلى في غياب المجتمع المدني لأن كل الحكومات يمكن أن تبيّض وجهها
بدعوة أحد الخبراء وتهميش التحالف الدولي الذي يحمل على ظهره الأعباء
الأكبر.
دولة عربية أخرى أعادت السيناريو عندما
طلبت منا إبعاد معارضيها وقبول تمويل من أحد أبناء رئيسها، دولة ثالثة أخذت
اسم التحالف وقالت سنقوم بمأسسته عندنا، دولة غير عربية وجهت الدعوة لكل من
وقعت عليه من أسماء في التحالف لدعوتهم لإجراء المحاكمات في عاصمتها
والسلام عليكم، وفق تقديرات باحث إسلامي خليجي حتى اليوم دفع لمؤتمرات
نظمها نواب ووزراء سابقون وأشباه مناضلين ضد المحاسبة أكثر من ثلاثة ملايين
دولار دون أي جدوى تذكر، ولجان الدعم المالي كثيرة لكن الحصاد عند من
يستفيد منها شبه معدوم، ونحن نجمع المساعدات بالعشرين والخمسين دولارا
لنحفظ استقلاليتنا وكرامتنا.
لكن أليس طرحكم نظريا؟ كل القضايا تحتاج
إلى دعم مادي قوي لتنجح، فكيف إن كانت القضية في مواجهة أقوى لوبي في
العالم اليوم؟ لم لا تستفيدون من هذه الإمكانيات المتاحة؟
هذا هو رأي أحد المحامين الذي تحول من
رمز للتطوع إلى سمسار دولي للاستشارات القانونية بحجة أن المهم في المال
الطريقة التي يستخدم بها، وقد رفض التعاون معه أكثر من 35 محاميا طليعيا من
مختلف القارات، القوة المعنوية لمشروعنا هى رأسماله المادي الأكبر، وأقول
لك بدون رتوش وإضاعة وقت، وبكل أمانة وصدق: "موضوع الملاحقات القانونية
الدولية لا يحتمل حكومة ولا تحتمله حكومة، لهذا كل من يفكر بمساعدة حكومية
يضيع وقته ووقتنا".
الثمن سيكون أغلى لأننا نحارب في أوسلو
ولاهاي وبرلين وباريس وجنيف، أي مدن غربية الإعلام فيها سلطة رابعة بمعنى
الكلمة، وبالتالي لن تستطيع مقاضاة تسيفي ليفني بمساعدات مالية من أحمدي
نجاد أو القذافي، رصيدنا الاستقلالي وسمعتنا هما التجريم الأول للقتلة، أي
عمل نزيه وشفاف ومستقل قادر على أن يحاسب ويرفع رأسه.
ألا تظن أن المشكلات الفلسطينية
الداخلية أيضا لا تعمل لصالحكم؟
بالتأكيد، لا لصالحنا ولا لصالح الوجود
الفلسطيني، ما يطلب من الإنسان الفلسطيني يفوق القدرة البشرية الطبيعية
للعطاء، لقد زرت غزة مرتين في غضون شهرين، وأريد أن أقول بصوت عال:" منذ
عامين دخل العنصر الفلسطيني طرفا في هدم البنية التحتية للمقاومة المدنية
الفلسطينية، وهذا خط أحمر لم تحتمله حركة تحرر وطني في التاريخ البشري
المعاصر، قرابة 400 جمعية ومؤسسة خيرية وإنسانية وثقافية وتنموية تم
إغلاقها في الضفة الغربية وقطاع غزة.
اليوم عندي قائمة بأكثر من ألف ومئة
معتقل في غزة والضفة في سجون فلسطينية ولأسباب سياسية، هذا إضافة لمحاولة
توظيف الجهود القانونية من قبل البعض في المعركة السياسية عبر تفريخ لجان
قانونية هنا وهناك ذات تلوين سياسي، الأمر الذي نرفضه جملة وتفصيلا، كيف
يمكننا خوض معركة تحرر وطني والتحرك وطنيا وعالميا لمحاسبة مجرمي العدوان
والاحتلال والجسم ينزف من الداخل، وكل الوسائل مباحة في الصراع الفلسطيني
الفلسطيني؟
استنكرت العفو الدولية قرار القمة
الإفريقية بعدم التعاون مع المحكمة الجنائية في قضية البشير، فهل تشارك
العفو الدولية وهيومان رايتس ووتش والفدرالية الدولية لحقوق الإنسان في
تحرك التحالف الدولي لملاحقة مجرمي الحرب؟
أريد أن أقول لك بصراحة تامة:" إسرائيل
مشكلة لكل منظمات حقوق الإنسان الشمالية، هناك لوبي موال لهذا البلد في كل
منظمة دولية، وهناك ضغوط إعلامية وأحيانا مالية على كل من يتحرك بقوة ضد
الدولة العبرية بشكل صريح.
"إنقاذ دارفور" طالبت المحكمة الجنائية
الدولية بتبني قضية دارفور قبل مجلس الأمن، وكان بين التواقيع منظمة العفو
الدولية وهيومان رايتس ووتش والفدرالية الدولية لحقوق الإنسان.
نحن نطالب هؤلاء الذين انضموا لحركة
خلقتها منظمتان أساسيتان في الأيباك في الولايات المتحدة نطالبهم الانضمام
لتحالف مكون من نقابات وكونفدراليات ومنظمات حقوقية غير حكومية تغطي خمسة
ملايين إنسان من أجل مطلب بسيط لا يختلف عليه مناضلان من أجل الكرامة
والعدالة: فتح التحقيق في جرائم الحرب أثناء عملية الرصاص المصبوب، من أجل
هذا أقول لك بصراحة، غزة لم تعد غزة فقط، هى الصاعق من أجل إعادة النظر في
أسلوب ونمط تعامل منظمات حقوق الإنسان مع الحقوق الفلسطينية أولا، وإمكانية
أن يكون رفع صوت العدالة في فلسطين الوسيلة الأقوى لفتح كل ملفات المظلومين
في العالم، لهذا طالبنا بمأسسة التحالف الدولي لملاحقة مجرمي الحرب من أجل
بناء منظمة عالمية جديدة تغطي الفراغ المخجل في قضايا الجرائم الجسيمة، ما
معنى غياب المحاسبة في احتلال العراق؟، في الجرائم التي ترتكب ضد المدنيين
في أفغانستان وباكستان؟، في العدوان على لبنان في 2006؟، في الحرب
السيريلانكية.. يقوم العالم ولا يقعد لاعتقال معارض سياسي ويجري إغماض
العين عن قتل مليون عراقي؟، حقوق الإنسان اليوم على مفترق طرق.
الإيرلندي بيتر بننسون الذي أمسك بقضية
الاعتقال السياسي في 1961 أطلق صرخة تذكير بغياهب السجون، اليوم نحن بحاجة
لصرخة عالمية ضد جرائم العدوان والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب
والإبادة الجماعية.. مع تراجع وبقرطة التحالف الدولي من أجل محكمة جنائية
دولية، نحن بحاجة لكل الرؤوس
التي تفكر حقا والعقول التي تناضل فعلا لبناء هيكل عالمي جديد يهدف للدفاع
عن المدنية والعدالة في وجه التوحش وعنجهية القوة.
7/25/2009
|