|
ناشط في مجال حقوق الإنسان، مثقف جريء، يحمل مزيجا
ً
من عجين الأرض وتناقضات يسر العيش وقساوة الحياة -
كما يحلو له وصف نفسه- ، إنه
الناشط الحقوقي والمفكر والباحث السوري الدكتور
"هيثم مناع"، المُلاحَق دائما ً
بسبب كلمة الحقّ التي يطلقها، وتحيطه سلسلة من
التهديدات تحاول إخفات صوته، لكنـّه
يؤمن أنّ حمايته الوحيدة هي الصدق مع النفس
والإخلاص لهذا العمل النبيل.
كان لـ
"نافذة
الخير" حوار معه استعرض تاريخ الشخصية وتكوينها، وتطرق إلى ملفات
شائكة
وحساسة تخصّ المضطهدين والمحرومين والمقموعين
ومسلوبي الحقوق، وخاصة الشعب
الفلسطيني الذي اعتبر قضيته أكبر من كل التجاذبات
والترهات والتفاهات التي يجري
ترقيتها لمستوى الصراعات.
بعتُ الصحف في
طفولتي لأشتري الكتب
-
كيف تقدم شخصية الدكتور "هيثم مناع" إن أردت
التعريف بها للقارئ؟
مزيج من عجين الأرض وتناقضات يسر العيش وقساوة
الحياة،
محظوظ إذا نظرت لأصدقاء طفولتي وقد فقدت أكثر من
حبيب فيهم. قبل المدرسة الثانوية
صفعتني حرب 1967 فبنيت خيام النازحين وتدربت في
معسكرات الفدائيين، قبيل الجامعة
كانت صفعة أيلول الأسود ومحاكمة استثنائية لوالدي
حكم عليه فيها بالإعدام ثم
المؤبد، في الجامعة قصة نضال قاس وأول قصة حب
عشتها، انتهت بمأساة جعلتني أحمل اسم
"منى"
بدل عائلتي (العودات) إخلاصا لذكرى من دفعت حياتها في الخامسة
والعشرين من
أجل أن تعيش مع من أحبت. تجربتي السياسية بالمعنى
الحزبي قصيرة، لكن تجربتي
الحقوقية طويلة بدأت ببطء شديد مع نمط المناوبات
الليلية في مشفى "السالبتريير" في
باريس الذي سمح لي بالاستقلال المادي والدراسة
الماراتونية والنضال. أتاح لي تواجدي
في أوروبا فرصة العمل الدائم والدؤوب، وتعززت عندي
العقلانية وروح المتابعة وفكرة
الدور والتحدي. لا أظن أنني بحثت عن قصة غير نمطية،
الوضع الذي واكب عمري شرقي
المتوسط هو وضع أقل ما يقال فيه أنه غير نمطي، ولا
يمكن لمن يتصدى للمشاركة في
قضايا المجتمعات والأمم أن يعيش قصة روتينية مملة
اسمها السعادة العائلية أو
الاستقرار المهني والمادي أو الإجازة السنوية أو
التقاعد.
-
من المعروف أنك
كاتب منذ طفولتك، أنشأتَ مجلة "التعاون" وانت في
الثامنة من العمر، ومن ثم مجلة
"المهذب"
وأنت في الاعدادية وبعدها مجلة "الطلبة"، بالاضافة إلى مجلة
"الفجر" وأنت
في الثانوية، ماذا كان "هيثم" الطفل والمراهق يكتب
في هذه المجلات؟
كان في
"التعاون"
شخصيات خيرة أحدها لصديقي "عبد العزيز الخير" والثانية لي. وكلاهما
قصص
مصورة للأطفال. في "المهذب" كتبت عن القضية
الفلسطينية وتجربة اليمن الجنوبي
ومستقبل الجزائر، في "الطلبة" هناك مقال أتمنى لو
عثرت على نسخة منه عن “جبهة تحرير
عُمان والخليج المحتل” باعتبارها تجربة رفضت
التجزئة عبر النضال المشترك بين أبناء
الخليج. "الفجر" كانت باللغة الإنجليزية وكانت ذات
خطاب ثقافي وسياسي أكثر نضجا
بكثير، أستاذي من عائلة "الشهابي" كان فلسطينيا
وعزز عندي القدرة على الكتابة
بالانجليزية والعربية معا ً. كنت أحفظ القرآن
وأنهيت قراءة "سيد قطب" و"أبو الأعلى
المودودي" و"حسن البنا"، وقرأت رأس المال لـ
"ماركس" والكتب الرئيسية لـ "لينين"
وكتابات لليسار الجديد وترجمت لأول مرة في حياتي
مقاطع من كتابات لفرويد (خاصة موسى
والتوحيد والطوطم والتابو). لقد بعت الصحف وأنا
صغير وعملت أكثر من عمل صغير لأتمكن
من شراء الكتب وكان المركز الثقافي في درعا منزلي
الثاني.
صديق المراة
والأقليات
-
ما هي التيارات والتوجهات الفكرية التي أثرت في
شخصية الدكتور مناع؟ وكيف؟
ولدت في بيت قومي عربي، والدتي "نجاح" شقيقة "موفق
الشرع" الذي أسس فرع درعا لحزب البعث العربي، والدي
"يوسف" كان أمين فرع وقيادي في
البعث قرابة 17 عاما أي ما يعادل سنوات اعتقاله،
لكنني لم أعجب بشخصية "ميشيل عفلق"
الذي زارنا وأنا صغير العمر، كذلك كنت أتحفظ على
قيادة الإخوان المسلمين وقيادة
الحزب الشيوعي التاريخية. من سوء حظي أنني لم أتعرف
على "مصطفى السباعي" وتعرفت على
"مروان
حديد"، كذلك من سوء حظ سورية وجود شخصية بيروقراطية وغير خلاقة على
رأس
الحزب الشيوعي السوري في الستينيات. لذا كنت أقرأ
الماركسية والفكر الإسلامي
السياسي والكتابات القومية للإغتناء ودون أي شعور
أو رغبة بالانتساب سياسيا لهذه
الحركة أو تلك. حرب 1967 جعلتني أعتبر التنظيمات
الموجودة كلها جزء من الهزيمة. وقد
تأثرت كثيرا بتراجعات "المودودي" بين كتابات 1938
وما كتب بعد ربع قرن، فهمت أن
الحياة لا يمكن أن تكون جامدة حتى عندما يكون مرجع
الشخص هو القرآن الكريم. وأدركت
مبكرا الفرق بين الفكر والإيديولوجيا، من هنا قصر
تجربتي الحزبية.
-
لماذا
يُطلق عليك اسم "صديق المرأة والأقليات"؟ مَن هي
المرأة برأيك؟ ومَن هم
الأقليات؟
قرأت وأنا في الحادية عشرة من عمري جملة أعجبتني
تقول بأن الأقلية
تبدأ بواحد. وأن الدفاع عن هذا الواحد هو الضمان
لكرامة الكل. منذ ذلك الوقت وأنا
أجتهد في اكتشاف الملل والنحل الدينية والمذهبية
والقومية في سورية. خالطتها وزرت
رجال الدين من مختلفها قبل العشرين من العمر وعشت
بالملموس واقعة أن الحياة لم تضع
الحقيقة في سلة واحدة، ولم تحتكر القيم والأخلاق
لمدرسة واحدة، ولم تمنح الذكاء
والمعرفة لتيار بعينه. وشعرت بأن أية أغلبية لا
تشكل قيمة أخلاقية واعتبارية إن لم
تكن الضامن الأكبر لكل حقوق الأقليات. لذا خضت
صراعات قاسية ومكلفة من أجل الدفاع
عن الأقليات، حتى أن أحد أصدقائي في كلية الطب قال
لي يوما: " ليس قدرك فقط الدفاع
عن الأقليات، قدرك أيضا أن تكون أقلية مزمنة".
عمانوئيل كانت! اعتبر الخروج من حالة
القاصر أو الأقلية أو الدونية شرطا أساسيا من شروط
التنوير، وبهذا المفهوم يمكن
الحديث عن موضوع المرأة.. لقد طردني أستاذ التربية
الدينية عندما قلت له "أمي ليست
قارورة" عندما كان يتحدث عن النساء ككائنات هشة
تحتاج للرعاية والعناية. وذكرته بأن
والدتي هي التي تطعمنا وتعلمنا في غياب والدي
المعتقل. والدي دخل السجن قبل امتحان
البكالوريا لأكبر أبنائه وخرج والستة قد أنهوا
دراساتهم ودخلوا الحياة العملية. أنا
لم أكتب مدافعا عن المرأة على خلفية الإيديولوجيا
بل التجربة الشخصية! من حسن حظي
أن المرأة حمتني وسندتني وأعطتني القوة يوم كنت في
ظروف لا تسمح للإنسان حتى
بالوقوف على أقدامه. المرأة الأم، المرأة الأخت،
المرأة الزميلة، المرأة الرفيقة
والمعينة.
عدالة القضية
الفلسطينية
كيف
كانت البدايات في الدفاع عن الحقوق
الفلسطينية؟
فلسطين هي نقطة اللقاء الأزلية بين جيلي وجيل
والدي، اختلفنا في
أشياء كثيرة، ولكن عندما يجري الحديث في القضية
الفلسطينية تتوحد العائلة. صداقاتي
الفلسطينية في الطفولة كانت رائعة، وكنا نتقاسم قصص
أهاليهم لهم عن النكبة. في مخيم
درعا باشر اللاجئون الفلسطينيون زراعة البطيخ
والقثاء والخضروات على طريق قرية نصيب
وكنا نسهر مع أصدقاء الدراسة في سن المراهقة وهم
يبيعون البطيخ ونسمع قصص هذا المسن
أو ذاك عما فعلت العصابات الصهيونية لإبعاد
الفلسطينيين عن بيوتهم وقراهم. كنا
نختلف في تصورات الحل، ولكن كنا جميعنا نتفق على
عدالة القضية الفلسطينية.
-
هل تذكر أول مرة لوحقت فيها بحياتك؟؟ ماذا كان
السبب؟ وما هي العواقب
حينها؟
أول مرة استدعيت من فرع المخابرات على بعد 100 متر
من المنزل بعد حرب
1967.
يومذاك نشرت مقالة صغيرة بعنوان (إلى العرب) نشرت
في "الأسبوع العربي" التي
تصدر في بيروت. سألني ضابط بلباس مدني يومها وكان
بيده المجلة: أنت كتبت المقال أم
أبوك؟ باعتبار والدي كان قد خرج للتو من عشرة أشهر
اعتقال وظنّ الأمن أنه يستعمل
اسمي لتمرير ما يريد، شعرت يومها بمس عنفوان
المراهق الباحث عن شخصيته الخاصة وقلت
له: "أنا أرفض أن أكتب باسمي مقالة لعبد الناصر
ويوسف العودات ونور الدين الأتاسي،
مقالاتي أنا باكتبها إذا كانت ما عجبتك حاسبني
عليها"، فقال لي: "خلص انسى الموضوع
وما تحكي لحدا انه بعثنا وراك". ووقفت القصة عند
هذا
الحد.
الدكتور مناع ونظرة تستشرف
المستقبل
-
كما نعرف انك رئيس للمكتب الدولي للمنظمات
الانسانية والخيرية في العالم، ماذا أضاف لك هذا
المنصب؟
المنصب قضية رمزية
ومسؤولية، نحن قيادة جماعية تعمل لإنجاح عمل هام
القصد منه التشبيك والتعاون بين
منظمات العمل الإنساني والخيري على اختلاف مشاربها
وبرامجها. كذلك حماية العاملين
في الحقل الإنساني. المهم في المكتب أنه من أوائل
التجارب الدولية التي قامت
بمبادرة من منظمات الجنوب واستطاعت العيش والتقدم
والمساعدة في ملفات حادة مثل
فلسطين والعراق ودارفور، كذلك تحديد الخسائر ما
أمكن في الهجوم على المنظمات
الخيرية الإسلامية.
-
وما هو دوركم للدفاع عن حقوق اللاجئين الفلسطينيين
المدنية المنتقصة في المخيمات الفلسطينية في لبنان؟
لقد شكلت اللجنة العربية
لحقوق الإنسان عدة بعثات تحقيق صدر إثرها كتاب موثق
عن وضع اللاجئين الفلسطينيين في
لبنان. ومنذ ذلك الوقت نناضل داخل وخارج لبنان من
أجل تطبيق شروط الحد الأدنى لحقوق
اللاجئين والمقرة من الأمم المتحدة ومن لبنان.
للأسف ثمة من لا يملك التمييز بين
اللاجئ ككائن إنساني له حقوق اجتماعية واقتصادية
ومدنية وسياسية وثقافية وبين
الموقف السياسي من القضية الفلسطينية، يجب التذكير
أن أول قرار للأمم المتحدة
يستعمل تعبير الإبادة الجماعية في المنطقة صدر إثر
مجزرة صبرا وشاتيلا. وكما حال
لبنان صدمت أثناء بعثة تحقيق لي في العراق بوضع
اللاجئين الفلسطينيين هناك وأعددت
تقريرا حول ذلك وما زال الوضع حتى اليوم مأساويا.
-
كما نعرف أنك نلت تكريم
"هيومان
رايتس ووتش" عام 1992، وميدالية حقوق الإنسان للأكاديمية القومية
للعلوم في
واشنطن في 1996، بماذا تعلق على ذلك؟
في كل مطار يوجد صالة شرف، وكما هو معلوم،
الشرف لا يحتاج إلى صالات. الأمر لا يتعدى ذلك.
كفى صمتا
ً..
كيف
تبلورت فكرة إنشاء التحالف الدولي لملاحقة
مجرمي الحرب على غزة؟
الفكرة بدأت أولى معالمها يوم اتصل بي "خليل أبو
شمالة" مدير مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان في غزة بعد
ترقية العلاقات الأوروبية-
الإسرائيلية في 8 ديسمبر 2008 وشعورنا المشترك بأن
الحصار الجائر على غزة يمكن أن
يتصاعد بعدوان عسكري. أرسلنا رسالة في 12 ديسمبر
2008 للرئيس الفلسطيني نطالبه
بالتصديق على اتفاقية روما للمحكمة الجنائية
الدولية موقعة من قرابة مئة مثقف وناشط
عربي. وأذكر يومها أن الصديق "نادر الفرجاني" أرسل
توقيعه مع جملة: "أدعم كالعادة
ما تقومون به ولكن هذه المرة دون أوهام". والحقيقة
لم تكن الصورة مكتملة لدى
الكثيرين حول المخاطر القادمة على غزة. في 26
ديسمبر اجتمع المكتب الدولي للجمعيات
الإنسانية والخيرية في المنامة، وقررنا يومها تنظيم
مؤتمر لنجدة غزة، وفي القرار
حديث عن إعادة البناء. في اليوم الثاني كان السبت
الأسود واستنفرنا للانتقال بسرعة
أكبر لهجوم مضاد بحجم العدوان. موقف مجلس الأمن
كالعادة كان مشينا وكان لا بد من
وضع خطة وكتبت في رأس السنة ورقة عمل من أجل غزة
ووجهت رسائل بعدة لغات لأصدقاء في
عدة بلدان أوروبية من أجل استعادة المبادرة في
الدفاع عن الحقوق الفلسطينية التي
تنتهك كل يوم. وقد انطلقت أكثر من مبادرة في أوروبا
فاتصلت بمبادرة موازية لقرابة
عشرين جمعية من ليون وفرنسا لتنسيق مبادرتنا معها،
واتصل بي "لؤي ديب" من النرويج
للتنسيق المشترك، كذلك اتصل بي محامون وحقوقيون من
لندن وجنيف ومدريد، ناهيكم عن
التحرك الذي قام به نخبة من المحامين المغاربة
واتحاد الأطباء العرب واتحاد
المحامين العرب. وفي الساعة الثانية صباحا ذات يوم
اتصل بي محامي من البيرو ليحدثني
عن دعم عدة نقابات للمحامين وأنه يستغرب عدم وضع
اسم جمعية الحقوقيين في القارة رغم
أن ممثلها في الأمم المتحدة صديق شخصي لي، فاعتذرت
له وهكذا الأمر أيضا من القارة
السوداء. لقد جمعت قضية العدوان على غزة شرفاء من
كل القارات والأديان والقوميات
والاتجاهات في ظل كلمة "كفاية مدنية عالمية"، كفى
الصمت، كفى ترهيب العالم بالإرهاب
القادم من العالمين العربي والإسلامي، كفى غياب
محاسبة مع ستين عاما من الجرائم
الإسرائيلية وأخيرا، كفى ازدراء بالقانون والعدالة
الدولية. التحالف يضم اليوم أكثر
من 460 منظمة واتحاد وكونفدرالية فيها حوالي 6
ملايين عضو، وقد بدأنا المأسسة
بالرخص القانونية والهيكلة في بلدان الدعاوى
القضائية والتنسيق والاتصالات فيما
يتعلق بالقضية أمام المحكمة الجنائية
الدولية.
لا بد من
توثيق كل جرائم الحرب الإسرائيلية
كيف ترى كناشط حقوقي مستقبل هذا التحالف في ظل رفض
اسرائيل للإتهامات، وكذلك رفضها التعامل مع لجان
التحقيق المختلفة التي تتشكل هنا
وهناك..وتهربها من استحقاقات العدالة الدولية؟
الرفض الإسرائيلي أمر مفروغ
منه، نحن من طرفنا نضمن أولا ً تعامل السلطات
الفلسطينية في غزة ورام الله مع كل
لجان التحقيق دون استثناء، ولدينا وعد قاطع بهذا
الشأن. ثانيا ً أن نقدم المساعدة
لكل لجان التحقيق بكل ما لدينا من وثائق وأدلة
وخبرات. وسألتقي قبل نشر هذه
المقابلة ببعثة التحقيق التي كلفها مجلس حقوق
الإنسان لأحمل لهم ملفا ً خاصا ً
وأعلمهم باستعدادنا الكامل للتعاون. إذا كانت
السلطات الإسرائيلية تحارب إجراءات
التحقيق والعدالة، يمكن لأي مراقب محايد أن يقدر
الأسباب والدوافع الحقيقية لذلك.
لكن المعركة طويلة، وستستمر لأشهر وسنوات. لا بد من
توثيق كل جرائم الحرب
الإسرائيلية. هناك المسؤولية الجنائية التاريخية،
وهناك المسؤولية في الجرائم
الجسيمة التي لا تزول بالتقادم، وهناك الجرائم التي
وقعت منذ يوليو 2002 وقيام
المحكمة الجنائية الدولية. كل هذا يشكل رصيدا ً
أساسيا ً لأي توثيق للانتهاكات
الجسيمة لحقوق الإنسان في المنطقة وعلى الصعيد
العالمي. لا بد من إدخال ثقافة
التوثيق والتدقيق ووضع حد لممارسات الإفلات من
العقاب أو فكرة الضحية الأبدية التي
تختبئ وراءها جرائم الحرب الإسرائيلية.
هل الإنسان
الفلسطيني خارج الحقوق؟
-
هل سبق وخاض الدكتور مناع تجربة بهذا الوزن في
تاريخه وهو الناشط الحقوقي والسياسي المعروف؟
بالنسبة لي لا يوجد قضايا سهلة
وقضايا صعبة، يجب إعطاء كل قضية حقها، لكن هذه
تجربة خاصة وفريدة بالتأكيد.
والمشكلة اليوم بصدق تجمع بين التعقيد القضائي
والتداخلات السياسية واختلال هائل في
موازين القوى والتواطؤ الرسمي الدولي. من وجهة نظري
تشكل قضية الشعب الفلسطيني
اليوم القضية الأنموذج في الصراع بين مفهوم قرون
وسطي للعدالة الدولية يعتمد على
مبدأ "قضاء تعليمات" القوي والغالب، ومفهوم إنساني
حديث يعتبر إقامة العدالة
المعيار الأساس للتخلص من البربرية في العلاقات بين
الإنسانية. القضية اليوم ذات
رهانات أساسية، المعاناة الفلسطينية ليست قضية في
ذاتها ومن أجل ذاتها وحسب، هي
المحك في إعادة اكتشاف القيم الكبرى للفلسفات
والأديان البشرية واختبار مصداقية
البشر في التعامل مع قرابة مائة وثيقة وإعلان في
حقوق الإنسان والقانون الدولي
الإنساني. هل الإنسان الفلسطيني خارج الحقوق؟ هل
المسؤول الإسرائيلي فوق المحاسبة؟
للأسف نحن مضطرون لطرح السؤال ليس فقط على الأشخاص
العاديين، بل على قطاع من أوساط
حقوق الإنسان في العالم!
إعادة كلمة
أوسلو إلى القاموس الفلسطيني
-
فيما لو صدرت أحكام بتجريم القادة الاسرائيليين،
ما هي الآليات لتنفيذ هذه الاحكام خاصة إذا ما
علمنا أن الدعوى المرفوعة من قبل (التحالف الدولي لملاحقة مجرمي
الحرب) يختص فيها القضاء النرويجي في إطار القضاء
الجنائي الدولي..أي ربما لا آليات سياسية؟
نحن أمام خطوات لا غنى عنها
لتغيير العقل المتواطئ مع الدولة العبرية إما
للشعور بالذنب لجريمة شنعاء ارتكبت في
أوروبا بحق اليهود، أو لموقف إيديولوجي وسياسي قائم
على أن هذه الدولة هي قاعدة
أمامية للمصالح الغربية. أولى هذه الحقائق هي
الانتقال من الدعاية والشحن الإعلامي
إلى لغة الحكمة والعقل وسعة التصور المستقبلي
الضرورية. من الضروري طرح سؤال أولي
يقول: ألم يتسبب الغرب في تدعيم الجنوحات
اللاعقلانية والمتطرفة في الدولة العبرية
لأنها تشعر بأن بإمكانها فعل ما تريد بمظلة حماية
دائمة وغير مشروطة؟ سؤال آخر
يتعلق بالدول الأوروبية نفسها: ماذا يعني الضغط
لوقف المحاكمات؟ ألا يعني ببساطة
تهشيم صورة استقلال القضاء التي ناضلت أوروبا قرابة
خمسة قرون من أجل تعزيزها. ماذا
يعني منع المدعي العام من إصدار مذكرة توقيف بحق
مجرم حرب إسرائيلي؟ يعني أن نسبية
مفهوم السيادة ليس السبب فيها عالمية العدالة وإنما
مجموعات الضغط التي تشوه الوعي
الجماعي وتضعف المؤسسات الانتخابية وتؤثر على
السلطة الرابعة، أي تهدد في الصميم
النظام الديمقراطي الأوروبي. ثم هل يمكن للمواطن
الأوروبي أن يقبل بتحطيم نظامه من
أجل سياسي أو عسكري إسرائيلي ملوث بقضايا الفساد
حتى الثمالة وأصدر أمرا أو شارك في
ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية؟ المواطنون
الأوربيون من النرويج الذين قاموا
بهذا العمل المدني والإنساني النبيل يدركون أنهم قد
أعادوا كلمة أوسلو إلى القاموس
الفلسطيني والدولي، لكن هذه المرة باعتبارها أول
عاصمة في العالم تباشر التحقيق في
جرائم الحرب على قطاع غزة. الوصول إلى مرحلة مذكرة
توقيف هو خطوة أساسية، كوننا لا
نقوم بعمل رمزي وحسب. ولأننا نحترم في أعماقنا
استقلال السلطة القضائية، نطالب بعدم
تدخل السياسيين في عمل القضاء، ونقوم بواجبنا في
التوثيق والرد على كل تساؤلات
المدعية العامة ولا نستبق الأمور.
-
ما الذي يميز هذه الدعوى عن سابقاتها
من الدعاوى القضائية التي رفعت ضد مرتكبي جرائم
الحرب على غزة؟
على حد علمي هذه
أول دعوى قضائية في أوروبا حول الأحداث الأخيرة في
غزة. هناك دعوى قضائية تعود إلى
مجزرة الدرج في إسبانيا. وهناك دعوى قضائية تقدم
بها التحالف الدولي لملاحقة مجرمي
الحرب أمام المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي في
22/1/2009 نتابعها منذ ذلك الزمن
بانتظار قرار المدعي العام قبول فتح التحقيق.
العدالة
الدولية ما زالت ضعيفة
-
كيف تقيم تجربة الدعاوى القضائية التي ترفع في
محاكم الدول الاوروبية على وجه الخصوص (كبلجيكا
واسبانيا.. والآن النرويج) لملاحقة
مرتكبي جرائم الحرب على غزة، وهذه الحماسة تجاهها
(أي الدعاوى)، خاصة وأن الشعب
الفلسطيني قد تعرض سابقاً لحروب إبادة لم تكن حينها
الدعاوى القضائية بذات
الزخم؟
العدالة الدولية مازالت يانعة وضعيفة، في 1945 كان
بإمكان الحلفاء تحقيق
قفزة هائلة عبر محكمة دولية عادية تحاكم مجرمي
الحرب إثر الحرب الكونية الثانية،
للأسف آثر المنتصر تشكيل محكمة عسكرية استثنائية
للغالب. وعلينا انتظار التسعينيات
من القرن الماضي لتخطو العدالة الدولية خطوات هامة
نحو محاسبة بلا حدود. الدولة
العبرية طبقت الاختصاص الجنائي العالمي في قضية
آيخمان في 1961 حيث حاكمت مواطنا
ألمانيا ارتكب جرائم قبل ولادة إسرائيل واختطف من
الأرجنتين وحاكمه قضاة
إسرائيليين. من المضحك أن اللوبي الموالي لإسرائيل
الذي كان يعتبر هذه المحكمة
أنموذجا للعدالة الدولية يرفض اختصاص المحاكم
الدولية والمحاكم الوطنية التي تقر
بالاختصاص الجنائي العالمي!
-
كيف تتم عملية التنسيق بين (التحالف
الدولي لملاحقة مجرمي الحرب) ومؤسسات حقوقية وطنية
فلسطينية كمؤسسة الضمير لحقوق
الإنسان ومركز الميزان في إطار جمع الأدلة لتعزيز
موقفكم القانوني في الدعوى
القضائية؟
الضمير والميزان ليسا عنصر تنسيق وحسب، بل جزء لا
يتجزأ من التحالف
منذ ولادته. وأثناء زيارتي لغزة في مطلع أبريل 2009
تلمست العمل الجبار الذي قام به
مناضلو حقوق الإنسان الذين كانوا يعملون تحت القصف
مثلهم مثل طواقم الإسعاف
والأطباء. هم الرئة التوثيقية والقانونية لكل
المحامين والنشطاء خارج فلسطين، ونحن
نتواصل باستمرار. وبودي الإشارة في هذه المناسبة
للأطراف الأخرى التي وإن لم تكن في
التحالف نسعى باستمرار لتنسيق عال معها مثل اللجنة
المركزية للتوثيق الذي لا يحول
طابعها الحكومي دون تمتعها بمصداقية وجدية
عالية
.نضالنا
لوجه
الله والحق
رغم
حيادية القضاء الأوروبي المعهودة عنه وراية
"النزاهة"
التي يرفعها دائماً..هل تتوقعون أن تأخذ دعواكم الاهتمام الدولي
القضائي
والمدعوم سياسياً كما حدث في قضية دارفور في
المحكمة الجنائية الدولية ومذكرة
اعتقال الرئيس السوداني عمر حسن البشير؟
أريد فقط التذكير بأن دارفور لم يتحرك
ملفها في يوم وليلة، وأن عدة منظمات غير حكومية
طلبت تدخل المدعي العام للمحكمة
الجنائية الدولية قبل قرار مجلس الأمن ولم يفعل،
ومذكرة الرئيس السوداني جاءت في
العام الرابع لطرح فكرة الملاحقة القانونية. أربعة
أعوام صرفت فيها الملايين وتدخل
فيها الحكومي وغير الحكومي، صاحب القناعات وبائعها
ومشتريها. أمنيتنا بكل أمانة، أن
يكون نضالنا حقا كما نقول في المشرق: لوجه الله
والحق. أي أن لا نسقط فيما سقطت به
بعض المنظمات التي دافعت عن مخصصاتها عبر ضحايا
دارفور.
-
ألا تخشون من
تدخل قوى سياسية بنفوذها الكبير في أوروبا وخارجها
كإسرائيل والولايات المتحدة
لإفشال الدعوى أو ابطالها وربما تفريغها من
مضمونها..بطريقة أو بأخرى؟
نحن لا
نستبعد شيئا، الطبقة السياسية الإسرائيلية لا تعير
الجانب الأخلاقي أي اعتبار
والغاية عندها تبرر الوسيلة بأسوأ معاني الكلمة
وهذا هو حال مجموعات الضغط الموالية
لها. من هنا عدم تحديدنا للأهداف المقبلة والتكتم
على الأجندة التي سنتبعها في عدد
من الدول الأوربية.
-
تلقيتم مؤخراً تهديدات لثنيكم عن المضي في الدعوى
القضائية، ألم ترهبكم هذه التهديدات؟ وما هي
الاحتياطات الأمنية التي
تتخذونها في
تحركاتكم؟
في التحالف الدولي لا نستبعد شيئا، سجل الدولة
العبرية حافل من شراء
الذمم إلى الاغتيال وتشويه سمعة المناضلين أو
توريطهم الخ. نحن لا نخوض هذه المعركة
من أجل مال أو سلطان أو جاه، نحن نخوضها دفاعا عن
الكرامة الإنسانية والعدالة
الدولية. والاحتياط الأمني الوحيد الضروري في هذه
الحالة هو الصدق مع النفس
والإخلاص لهذا العمل النبيل.
فلسطين أكبر
من كل التفاهات!-
هل اضطررتم خلال عملية تجهيزكم لأوراق الدعوى
القضائية الاتصال وطلب الدعم من جهات رسمية
عربية..أو هل ستجدون أنفسكم مضطرين لذلك
مستقبلاً؟ ألا تخشون الاصطدام بتجاذبات سياسة
المحاور العربية؟
من حيث المبدأ
نحن على قناعة بضرورة تكاتف ثلاثة أطراف لنجاح
عملنا، الطرف الحكومي، الطرف بين
الحكومي (برلمانات إقليمية، مؤسسات أمم متحدة،
مفوضية حقوق الإنسان..) والفضاء غير
الحكومي. لكن هناك غيرة قوية على استقلالية عملنا
كمنظمات غير حكومية وعدم توظيفه
من أي طرف. لهذا اعتذرت عن زيارة عدة عواصم عربية
وإسلامية لمؤتمرات رسمية حول
موضوع المحاسبة والمحاكمات. بصراحة وبدون أية
مبالغة، قضية فلسطين اليوم كقضية وجود
شعب ومستقبل مختلف للمنطقة برمتها وأمن وسلم
للعالم، أكبر من كل التجاذبات والترهات
بل التفاهات التي يجري ترقيتها لمستوى الصراعات.
سنفعل ما بوسعنا من أجل أن يبقى
هذا البناء خارج ما يمكن أن ينعكس سلبا، ليس على
التحالف الدولي، وإنما القضية التي
وجد من أجلها.
-
هل من إضافات او جملة أخيرة تود ان تنهي بها
الحوار؟
كل
شكري لكم على هذه الأسئلة التي تسمح بالتعريف
بالتحالف الدولي، كذلك أعادتني
لطفولتي دون أن تخرجني من نضالات اليوم.
جنان زياد - بيروت - انسان اون لاين
- 2009-05-05 |