|
نضال
حمادة
يعتبر الدكتور هيثم مناع من الرواد في العالم العربي في مجال حقوق الإنسان.
يعمل في هذا المجال منذ سنوات طويلة جعلت منه مقصد الكثيرين من الباحثين عن
منبر يدافع عنهم في أوقات صعبة عز فيها القانون. من مؤسسي اللجنة العربية
لحقوق الإنسان ومقرها في باريس، وهو الناطق الرسمي باسم اللجنة. كما انه
رئيس الاتحاد الدولي للجمعيات الخيرية، التي تضم أكثر من مئتي جمعية خيرية
حول العالم. الدكتور مناع يساهم حاليا في تحصيل بعض حق من حقوق مظلومي غزة،
عبر التحالف الدولي لملاحقة مجرمي الحرب على غزة الذي يقوده. الانتقاد
التقت الدكتور مناع في باريس وكان لنا معه الحوار التالي:
كيف
تبلورت فكرة إنشاء التحالف الدولي لملاحقة مجرمي الحرب على غزة؟
الفكرة بدأت أولى معالمها يوم اتصل بي "خليل أبو شمالة" مدير مؤسسة الضمير
لحقوق الإنسان في غزة بعد ترقية العلاقات الأوروبية ـ الإسرائيلية في 8
ديسمبر 2008 وشعورنا المشترك بأن الحصار الجائر على غزة يمكن أن يتصاعد
بعدوان عسكري. أرسلنا رسالة في 12 ديسمبر 2008 للرئيس الفلسطيني نطالبه
بالتصديق على اتفاقية روما للمحكمة الجنائية الدولية موقعة من قرابة مئة
مثقف وناشط عربي. وأذكر يومها أن الصديق "نادر الفرجاني" أرسل توقيعه مع
جملة: "أدعم كالعادة ما تقومون به، ولكن هذه المرة دون أوهام". والحقيقة لم
تكن الصورة مكتملة لدى الكثيرين حول المخاطر القادمة على غزة. في 26 ديسمبر
اجتمع المكتب الدولي للجمعيات الإنسانية والخيرية في المنامة، وقررنا يومها
تنظيم مؤتمر لنجدة غزة، وفي القرار حديث عن إعادة البناء. في اليوم الثاني
كان السبت الأسود واستنفرنا للانتقال بسرعة أكبر لهجوم مضاد بحجم العدوان.
موقف مجلس الأمن كالعادة كان مشينا وكان لا بد من وضع خطة وكتبت في رأس
السنة ورقة عمل من أجل غزة ووجهت رسائل بعدة لغات لأصدقاء في عدة بلدان
أوروبية من أجل استعادة المبادرة في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية التي
تنتهك كل يوم. وقد انطلقت أكثر من مبادرة في أوروبا فاتصلت بمبادرة موازية
لقرابة عشرين جمعية من ليون وفرنسا لتنسيق مبادرتنا معها، واتصل بي "لؤي
ديب" من النرويج للتنسيق المشترك، كذلك اتصل بي محامون وحقوقيون من لندن
وجنيف ومدريد، ناهيكم عن التحرك الذي قام به نخبة من أهم المحامين المغاربة
واتحاد الأطباء العرب واتحاد المحامين العرب. وفي الساعة الثانية صباحا ذات
يوم اتصل بي محام من البيرو ليحدثني عن دعم عدة نقابات للمحامين، وأنه
يستغرب عدم وضع اسم جمعية الحقوقيين في القارة برغم أن ممثلها في الأمم
المتحدة صديق شخصي لي، فاعتذرت له وهكذا الأمر أيضا من القارة السوداء. لقد
جمعت قضية العدوان على غزة شرفاء من كل القارات والأديان والقوميات
والاتجاهات في ظل كلمة "كفاية مدنية عالمية"، كفى الصمت، كفى ترهيب العالم
بالإرهاب القادم من العالمين العربي والإسلامي، كفى غياب محاسبة مع ستين
عاما من الجرائم الإسرائيلية وأخيرا، كفى ازدراء بالقانون والعدالة
الدولية. التحالف يضم اليوم أكثر من 460 منظمة واتحادا وكونفدرالية فيها
نحو 6 ملايين عضو، وقد بدأنا المأسسة بالرخص القانونية والهيكلة في بلدان
الدعاوى القضائية والتنسيق والاتصالات فيما يتعلق بالقضية أمام المحكمة
الجنائية الدولية.
لا بد من توثيق كل جرائم الحرب الإسرائيلية
كيف ترى كناشط حقوقي مستقبل هذا التحالف في ظل رفض اسرائيل للاتهامات،
وكذلك رفضها التعامل مع لجان التحقيق المختلفة التي تتشكل هنا وهناك..
وتهربها من استحقاقات العدالة الدولية؟
الرفض الإسرائيلي أمر مفروغ منه، نحن من طرفنا نضمن أولاً تعامل السلطات
الفلسطينية في غزة ورام الله مع كل لجان التحقيق دون استثناء، ولدينا وعد
قاطع بهذا الشأن. ثانياً أن نقدم المساعدة لكل لجان التحقيق بكل ما لدينا
من وثائق وأدلة وخبرات. وسألتقي قبل نشر هذه المقابلة ببعثة التحقيق التي
كلفها مجلس حقوق الإنسان لأحمل لهم ملفاً خاصاً وأعلمهم باستعدادنا الكامل
للتعاون. إذا كانت السلطات الإسرائيلية تحارب إجراءات التحقيق والعدالة،
يمكن لأي مراقب محايد أن يقدر الأسباب والدوافع الحقيقية لذلك. لكن المعركة
طويلة، وستستمر لأشهر وسنوات. لا بد من توثيق كل جرائم الحرب الإسرائيلية.
هناك المسؤولية الجنائية التاريخية، وهناك المسؤولية في الجرائم الجسيمة
التي لا تزول بالتقادم، وهناك الجرائم التي وقعت منذ يوليو 2002 وقيام
المحكمة الجنائية الدولية. كل هذا يشكل رصيدا أساسياً لأي توثيق
للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في المنطقة وعلى الصعيد العالمي. لا بد
من إدخال ثقافة التوثيق والتدقيق ووضع حد لممارسات الإفلات من العقاب أو
فكرة الضحية الأبدية التي تختبئ وراءها جرائم الحرب الإسرائيلية.
هل الإنسان الفلسطيني خارج الحقوق؟
- هل سبق وخاض الدكتور مناع تجربة بهذا الوزن في تاريخه وهو الناشط الحقوقي
والسياسي المعروف؟
بالنسبة لي لا يوجد قضايا سهلة وقضايا صعبة، يجب إعطاء كل قضية حقها، لكن
هذه تجربة خاصة وفريدة بالتأكيد. والمشكلة اليوم بصدق تجمع بين التعقيد
القضائي والتداخلات السياسية واختلال هائل في موازين القوى والتواطؤ الرسمي
الدولي. من وجهة نظري تشكل قضية الشعب الفلسطيني اليوم القضية الأنموذج في
الصراع بين مفهوم قرون وسطى للعدالة الدولية يعتمد على مبدأ "قضاء تعليمات"
القوي والغالب، ومفهوم إنساني حديث يعتبر إقامة العدالة المعيار الأساس
للتخلص من البربرية في العلاقات بين الإنسانية. القضية اليوم ذات رهانات
أساسية، المعاناة الفلسطينية ليست قضية في ذاتها، ومن أجل ذاتها وحسب، هي
المحك في إعادة اكتشاف القيم الكبرى للفلسفات والأديان البشرية واختبار
مصداقية البشر في التعامل مع قرابة مئة وثيقة وإعلان في حقوق الإنسان
والقانون الدولي الإنساني. هل الإنسان الفلسطيني خارج الحقوق؟ هل المسؤول
الإسرائيلي فوق المحاسبة؟ للأسف نحن مضطرون لطرح السؤال ليس فقط على
الأشخاص العاديين، بل على قطاع من أوساط حقوق الإنسان في العالم!
إعادة كلمة أوسلو إلى القاموس الفلسطيني
- فيما لو صدرت أحكام بتجريم القادة الاسرائيليين، ما هي الآليات لتنفيذ
هذه الاحكام خاصة إذا ما علمنا أن الدعوى المرفوعة من قبل (التحالف الدولي
لملاحقة مجرمي الحرب) يختص فيها القضاء النرويجي في إطار القضاء الجنائي
الدولي.. أي ربما لا يوجد آليات سياسية؟
نحن أمام خطوات لا غنى عنها لتغيير العقل المتواطئ مع الدولة العبرية إما
للشعور بالذنب لجريمة شنعاء ارتكبت في أوروبا بحق اليهود، أو لموقف
إيديولوجي وسياسي قائم على أن هذه الدولة هي قاعدة أمامية للمصالح الغربية.
أولى هذه الحقائق هي الانتقال من الدعاية والشحن الإعلامي إلى لغة الحكمة
والعقل وسعة التصور المستقبلي الضرورية. من الضروري طرح سؤال أولي يقول:
ألم يتسبب الغرب في تدعيم الجنوحات اللاعقلانية والمتطرفة في الدولة
العبرية لأنها تشعر بأن بإمكانها فعل ما تريد بمظلة حماية دائمة وغير
مشروطة؟ سؤال آخر يتعلق بالدول الأوروبية نفسها: ماذا يعني الضغط لوقف
المحاكمات؟ ألا يعني ببساطة تهشيم صورة استقلال القضاء التي ناضلت أوروبا
قرابة خمسة قرون من أجل تعزيزها. ماذا يعني منع المدعي العام من إصدار
مذكرة توقيف بحق مجرم حرب إسرائيلي؟ يعني أن نسبية مفهوم السيادة ليس السبب
فيها عالمية العدالة وإنما مجموعات الضغط التي تشوه الوعي الجماعي وتضعف
المؤسسات الانتخابية وتؤثر على السلطة الرابعة، أي تهدد في الصميم النظام
الديمقراطي الأوروبي. ثم هل يمكن للمواطن الأوروبي أن يقبل بتحطيم نظامه من
أجل سياسي أو عسكري إسرائيلي ملوث بقضايا الفساد حتى الثمالة، وأصدر أمرا
أو شارك في ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية؟ المواطنون الأوروبيون من
النرويج الذين قاموا بهذا العمل المدني والإنساني النبيل يدركون أنهم قد
أعادوا كلمة أوسلو إلى القاموس الفلسطيني والدولي، لكن هذه المرة باعتبارها
أول عاصمة في العالم تباشر التحقيق في جرائم الحرب على قطاع غزة. الوصول
إلى مرحلة مذكرة توقيف هو خطوة أساسية، كوننا لا نقوم بعمل رمزي وحسب.
ولأننا نحترم في أعماقنا استقلال السلطة القضائية، نطالب بعدم تدخل
السياسيين في عمل القضاء، ونقوم بواجبنا في التوثيق والرد على كل تساؤلات
المدعية العامة ولا نستبق الأمور.
- ما
الذي يميز هذه الدعوى عن سابقاتها من الدعاوى القضائية التي رفعت ضد مرتكبي
جرائم الحرب على غزة؟
على حد علمي هذه أول دعوى قضائية في أوروبا حول الأحداث الأخيرة في غزة.
هناك دعوى قضائية تعود إلى مجزرة الدرج في إسبانيا. وهناك دعوى قضائية تقدم
بها التحالف الدولي لملاحقة مجرمي الحرب أمام المحكمة الجنائية الدولية في
لاهاي في 22/1/2009 نتابعها منذ ذلك الزمن بانتظار قرار المدعي العام قبول
فتح التحقيق.
العدالة الدولية ما زالت ضعيفة
-
كيف تقوِّم تجربة الدعاوى القضائية التي ترفع في محاكم الدول الاوروبية على
وجه الخصوص (كبلجيكا واسبانيا.. والآن النرويج) لملاحقة مرتكبي جرائم الحرب
على غزة، وهذه الحماسة تجاهها (أي الدعاوى)، وخاصة أن الشعب الفلسطيني قد
تعرض سابقاً لحروب إبادة لم تكن حينها الدعاوى القضائية بذات الزخم؟
العدالة الدولية ما زالت يانعة وضعيفة، في 1945 كان بإمكان الحلفاء تحقيق
قفزة هائلة عبر محكمة دولية عادية تحاكم مجرمي الحرب إثر الحرب الكونية
الثانية، للأسف آثر المنتصر تشكيل محكمة عسكرية استثنائية للغالب. وعلينا
انتظار التسعينيات من القرن الماضي لتخطو العدالة الدولية خطوات هامة نحو
محاسبة بلا حدود. الدولة العبرية طبقت الاختصاص الجنائي العالمي في قضية
آيخمان في 1961 حيث حاكمت مواطنا ألمانيا ارتكب جرائم قبل ولادة إسرائيل
واختطف من الأرجنتين وحاكمه قضاة إسرائيليون. من المضحك أن اللوبي الموالي
لإسرائيل الذي كان يعتبر هذه المحكمة أنموذجا للعدالة الدولية يرفض اختصاص
المحاكم الدولية والمحاكم الوطنية التي تقر بالاختصاص الجنائي العالمي!
-
كيف تتم عملية التنسيق بين (التحالف الدولي لملاحقة مجرمي الحرب) ومؤسسات
حقوقية وطنية فلسطينية كمؤسسة الضمير لحقوق الإنسان ومركز الميزان في إطار
جمع الأدلة لتعزيز موقفكم القانوني في الدعوى القضائية؟
الضمير والميزان ليسا عنصر تنسيق وحسب، بل جزء لا يتجزأ من التحالف منذ
ولادته. وأثناء زيارتي لغزة في مطلع أبريل 2009 تلمست العمل الجبار الذي
قام به مناضلو حقوق الإنسان الذين كانوا يعملون تحت القصف مثلهم مثل طواقم
الإسعاف والأطباء. هم الرئة التوثيقية والقانونية لكل المحامين والناشطين
خارج فلسطين، ونحن نتواصل باستمرار. وبودي الإشارة في هذه المناسبة للأطراف
الأخرى التي وإن لم تكن في التحالف نسعى باستمرار لتنسيق عال معها مثل
اللجنة المركزية للتوثيق التي لا يحول طابعها الحكومي دون تمتعها بمصداقية
وجدية عالية.
نضالنا لوجه الله والحق
ـ
برغم حيادية القضاء الأوروبي المعهودة عنه وراية "النزاهة" التي يرفعها
دائماً.. هل تتوقعون أن تأخذ دعواكم الاهتمام الدولي القضائي والمدعوم
سياسياً كما حدث في قضية دارفور في المحكمة الجنائية الدولية ومذكرة اعتقال
الرئيس السوداني عمر حسن البشير؟
أريد فقط التذكير بأن دارفور لم يتحرك ملفها في يوم وليلة، وأن عدة منظمات
غير حكومية طلبت تدخل المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية قبل قرار مجلس
الأمن ولم يفعل، ومذكرة الرئيس السوداني جاءت في العام الرابع لطرح فكرة
الملاحقة القانونية. أربعة أعوام صرفت فيها الملايين وتدخل فيها الحكومي
وغير الحكومي، صاحب القناعات وبائعها ومشتريها. أمنيتنا بكل أمانة، أن يكون
نضالنا حقا كما نقول في المشرق: لوجه الله والحق. أي أن لا نسقط فيما سقطت
به بعض المنظمات التي دافعت عن مخصصاتها عبر ضحايا دارفور.
-
ألا تخشون من تدخل قوى سياسية بنفوذها الكبير في أوروبا وخارجها كإسرائيل
والولايات المتحدة لإفشال الدعوى أو ابطالها وربما تفريغها من مضمونها..
بطريقة أو بأخرى؟
نحن لا نستبعد شيئا، الطبقة السياسية الإسرائيلية لا تعير الجانب الأخلاقي
أي اعتبار، والغاية عندها تبرر الوسيلة بأسوأ معاني الكلمة، وهذا هو حال
مجموعات الضغط الموالية لها. من هنا عدم تحديدنا للأهداف المقبلة والتكتم
على الأجندة التي سنتبعها في عدد من الدول الأوربية.
-
تلقيتم مؤخراً تهديدات لثنيكم عن المضي في الدعوى القضائية، ألم ترهبكم هذه
التهديدات؟ وما هي الاحتياطات الأمنية التي تتخذونها في تحركاتكم؟
في التحالف الدولي لا نستبعد شيئا، سجل الدولة العبرية حافل من شراء الذمم
إلى الاغتيال وتشويه سمعة المناضلين أو توريطهم... الخ. نحن لا نخوض هذه
المعركة من أجل مال أو سلطان أو جاه، نحن نخوضها دفاعا عن الكرامة
الإنسانية والعدالة الدولية. والاحتياط الأمني الوحيد الضروري في هذه
الحالة هو الصدق مع النفس والإخلاص لهذا العمل النبيل.
فلسطين أكبر من كل التفاهات!
- هل اضطررتم خلال عملية تجهيزكم لأوراق الدعوى القضائية للاتصال وطلب
الدعم من جهات رسمية عربية.. أو هل ستجدون أنفسكم مضطرين لذلك مستقبلاً؟
ألا تخشون الاصطدام بتجاذبات سياسة المحاور العربية؟
من حيث المبدأ نحن على قناعة بضرورة تكاتف ثلاثة أطراف لنجاح عملنا، الطرف
الحكومي، الطرف بين الحكومي (برلمانات إقليمية، مؤسسات أمم متحدة، مفوضية
حقوق الإنسان..) والفضاء غير الحكومي. لكن هناك غيرة قوية على استقلالية
عملنا كمنظمات غير حكومية وعدم توظيفه من أي طرف. لهذا اعتذرت عن زيارة عدة
عواصم عربية وإسلامية لمؤتمرات رسمية حول موضوع المحاسبة والمحاكمات.
بصراحة وبدون أية مبالغة، قضية فلسطين اليوم كقضية وجود شعب ومستقبل مختلف
للمنطقة برمتها وأمن وسلم للعالم، أكبر من كل التجاذبات والترهات بل
التفاهات التي يجري ترقيتها لمستوى الصراعات. سنفعل ما بوسعنا من أجل أن
يبقى هذا البناء خارج ما يمكن أن ينعكس سلبا، ليس على التحالف الدولي،
وإنما على القضية التي وجد من أجلها.
الانتقاد/ العدد1347 ـ 22 أيار/ مايو 2009 |