European Page

مكتبة فنية

كتب

مقابلات

مقالات

خواطر حقوقية

محاضرات/مداخلات

أبحاث حقوقية

سيرة ذاتية

الصفحة الرئيسية

::::::::  المنظمات الحقوقية ودورها في حماية الصحفيين  :::::::

 

 

خاص بندوة الدوحة في أول نوفمبر 2008 بمناسبة افتتاح قسم حقوق الإنسان والحريات العامة في شبكة الجزيرة.

أود بادئ الأمر أن أشكر الجنود المجهولين الغائبين عن هذه الندوة أولا من اللجنة الدولية للدفاع عن تيسير علوني، الحملة العالمية لإغلاق غوانتانامو واللجنة العربية لحقوق الإنسان لأن بفضلهم وبهم نحن اليوم مع سامي هنا وسنستمع لتيسير ونتمنى أن يكون معنا في القريب العاجل، كل الشكر للمواطنين الذين استنفروا معنا وحولوا موضوع تيسير وسامي إلى قضية، فيما يؤكد على أن كل إنسان قادر على تقديم شئ من أجل حقوق الإنسان. لدي ملاحظة أولى حول الانحياز للإنسان، قضية أسعدتني حقيقة لأنني اعتقد بأن الحياد هي أكبر كذبة إعلامية يتم الترويج لها للمساواة بين القامع والمقموع والضحية والجلاد والمحتل والجاثم تحت نير الاحتلال والنصابون والمحرومين من أدنى الحقوق الإنسانية.. يمكن الحديث عن الموضوعية والشفافية والأمانة، ولكن لا يوجد "حياد" "محايد". أما الملاحظة الثانية، فكنت أتمنى أن يكون اسم الديسك حقوق الإنسان والحريات الأساسية. لأن الحريات العامة لا تشمل الحريات الشخصية أو الخاصة كلها.. ونحن نعرف أنه في عالم يجري التدخل والتضييق والاعتداء على أدق خصوصيات الأشخاص، فإن ضمان هذه الحريات أساسي وجوهري.

 حتى لا يحصل سوء فهم، لا بد من توضيح قواعد أساسية للاتفاق والافتراق بين منظمات حماية الصحفيين ودور المنظمات الحقوق إنسانية في حماية الصحفيين

منظمات حماية الصحفيين تنطلق من المهنة وقيمها ومخاطرها وأشكال الحماية المطلوبة في السلم والحرب. في حين تنظر منظمات حقوق الإنسان للصحفي كشخص تعرضه مهنته للمخاطر أكثر من غيره مثله مثل الناشط في الحقل الإنساني أو المناضل الميداني لحقوق الإنسان أو الفريق الطبي في مناطق الحرب والأزمات. وإن كان هذا التمييز مطلوبا لتوضيح سقف التدخل عند المنظمات الحقوقية، فهو أيضا يحدد التخوم مع منظمات حماية الصحفيين التي لا تشكل الشرعة الدولية لحقوق الإنسان سكتها الأساسية إن لم نقل الوحيدة كما هو حال منظمات حقوق الإنسان. فأي عمل مختص يحمل معه روح العصبية للمهنة أو corporatism  في حين مهمة المناضل الحقوقي العمل دون تمييز بين الضحايا والقضايا وجعل معياره الوحيد جسامة المظلمة وعامل الوقت وهامش التدخل.

لعل الاختلاط الإجباري بين السلطة الرابعة والسلطة المضادة (أي الفضاء غير الحكومي المدافع عن الحقوق والحريات) يخلق نوعا من الإلتزام بالمعنى الدينامي للكلمة.. لا أخفيكم أنني تعرفت على معظم أصدقائي من الصحفيين في أماكن الأزمات. وفي مرات عديدة توجهنا بها لأخذ الطائرة أو السيارة لمنطقة تحت الخطر كنا نتجاور صليب وهلال أحمر مع ناشطين حقوقيين مع الصحفيين. الأمر الذي لا يقف عند التعارف وتبادل الشجون، بل يتعدى ذلك لتعاون كبير طالما كانت نتيجته تحسين الأداء عند كل أعضاء عصابة المخاطر هذه. ولعل في تواجدنا الميداني كمناضلين في اللجنة العربية لحقوق الإنسان ما جعلنا في أحيان كثيرة نسبق منظمات حماية الصحفيين في مكاتبها لتبني هذا الصحفي أو ذاك. ففي عدة حالات تتعلق بمنظمات محظورة مثل حركة الإخوان المسلمين أو الحرب على الإرهاب، كنا بحكم معرفتنا الأدق للأوضاع والأشخاص نتحرك بسرعة أكبر للدفاع عنهم، هذه كانت الحالة مع تيسير علوني، مع خالد حمزة، مع العديد من الصحفيين العراقيين، مع سامي الحاج وغيرهم، أحيانا بقينا لوحدنا سنة أو سنتين حتى تدخلت منظمة دولية لحماية الصحافيين.

حتى اليوم، لم يحصل الصحفي على أية حماية متميزة. على العكس من ذلك، هناك نوع من التركيز عليه كنتيجة طبيعية للطابع المشهدي للمجتمع البشري المعاصر وثورة الاتصالات. وقد باشرت منظمات حماية الصحفيين وحقوق الإنسان التحرك من أجل إعلان يضم ثلاثية الحماية والمحاسبة والتعويضات. ذلك في تعزيز للمادة 85 من البروتوكول الملحق الأول لاتفاقيات جنيف. في حين أن المنطلق الأساسي للحماية أو الدفاع عن الصحفي في بلدان الشمال يعتمد  أكثر على تدخل حكومة كل بلد لضمان سلامة مواطنيه. بالتالي، أصبح الطبيب والصحفي ورجل الأعمال موضوع تدخل بالوسائل نفسها من قبل نفس الحكومة. هذه الوسائل تختلف باختلاف الظروف ونوع المصاب (اختطاف، اعتقال، منع من السفر، تهديد..). وهي تتأرجح من التباحث مع الحكومات المارقة إلى الجماعات المتطرفة. في هذه المباحثات، يمكن القول أن الحكومات تستخدم عدة وسائل ليس الطرف الدبلوماسي الأهم فيها. وهي تعتمد على أجهزة مخابراتها الخارجية وعلى أشخاص يعرفون البلد ولديهم مداخلهم الضرورية، حكومية كانت أو غير حكومية. أما المنظمة الحقوقية فليس لديها سوى مصداقيتها. عندما تتدخل منظمة معروفة بموضوعيتها عند السلطة الفلسطينية في رام الله في قضية وعند المقاومة الإسلامية حماس في غزة في قضية أخرى نلاحظ تعاملا قائما على الاحترام ينطلق من السيرة الذاتية للمنظمة الحقوقية. ولم نسمع يوما أحد الطرفين ينسبنا للآخر رغم دفاعنا عن مناضلين من منظمات  تغطي الخارطة السياسية الفلسطينية. ويمكن القول دون مبالغة، أن أبعد الدول والمؤسسات عن حقوق الإنسان تميز الصالح من الطالح في أوساط حقوق الإنسان.

هناك قضية أود التطرق لها من تجربتنا العيانية. طالما طرح علينا أسئلة حادة في قضية الدفاع عن الصحافيين من نمط:

-هل تؤيدون كلجنة غير حكومية الاتصال بجماعة خاطفة أو حكومة دكتاتورية للإفراج عن صحفي أو ناشط حقوقي مختطف؟ وكنا نجيب: هل يشكل هذا الاتصال بالفعل اعترافا بالفعلة والفاعل والأطراف التي يتم الاتصال بها؟

- هل تعتبرون بحث الصحفي عن المعلومة في منطقة خطيرة عملا طبيعيا أم يمكن توظيفه لأغراض التجسس؟ وكنا نجيب: أي باحث ناجح يتهم بالتجسس في هذه الحالة.

- ألا تدافعون عن الصحفي لكونه شخصية عامة معروفة؟ ونجيب: يمكن لشخصية عامة أن تفرمل سيلا عارما من الانتهاكات، بعد قضية تيسير علوني، تراجعت المحاكمات الاعتباطية والاستباقية لنسبة الربع في أوربة رغم زيادة القوانين والتراخيص الإدارية للتعسف في محاربة الإرهاب.  

أورد هذه الأمثلة  لغرض تفكيك بعض الأحكام المسبقة وتجاوز مفهوم ستاتيكي للوسائل القانونية لحماية الصحفيين، دولية كانت أو محلية. وللقول بأن هناك بالتأكيد جملة وسائل غير نمطية يمكن أن تتدخل لتغطية نقاط الضعف الكبيرة في قضية حماية المدنيين في زمن الحرب والسلم، منها شبكة الاتصالات الشخصية والسياسية والتحرك الإعلامي والقدرة على تحويل انتهاك لحقوق الصحفي إلى قضية. وكل هذا يحتاج لنمط تفكير دينامي وقدرة مستمرة على الابتكار وروح متابعة صارمة.

وفق كل الإحصاءات والدراسات، المنتج الأكبر للخروج على القانون نادرا ما يكون العنصر الأضعف في الصراع. من هنا صعوبة عمل المدافع عن حقوق الإنسان وضرورة بناء شبكة إعلامية حقوقية مشتركة أو على الأقل التشبيك في الموضوعات والأوقات الممكنة ad hoc. ومن الخبرة والتجربة، نستنتج أن شبكة كهذه، لا يجب أن تتوقف عند التنسيق مع المؤسسات الإعلامية والأفضل أن تكون مع الصحفيين المهتمين بقضايا حقوق الإنسان والحريات الأساسية. فهناك استراتيجيتا عمل مختلفتين بين المؤسسة الإعلامية والمنظمة الحقوقية، وتجربة اللجنة العربية لحقوق الإنسان مع محطة تلفزيونية لبرنامج لحقوق الإنسان لم تستمر لأكثر من ستة أشهر. كذلك، نلاحظ أن نسبة التعرض لقضايا حقوق الإنسان قد تراجعت وفق إحصاء ميداني بنسبة ثمانين بالمئة في محطة عربية بعد تغيير المدير العام، وأن محطة أخرى قد وضعت على نفسها قيودا ذاتية تراعي الاتفاقيات السياسية لحكومة بلدها. في حين يشكل التعرض لانتهاكات حقوق الإنسان عند الخصم أو العدو السياسي المادة الوحيدة للحقوق لمعظم المحطات العربية. ومن مآسي حقبتنا أن الوفاق الرسمي العربي هو بالضرورة في ظل الأوضاع التسلطية الراهنة، على حساب الحقوق والحريات.

إن الحد الأدنى لاحترام الحقوق والقانون الدولي هو الذي يصنع  الرأي العام الرافض لممارسة العنف. في حين يحول إزمان انتهاك القانون من طرف هذا الانتهاك إلى وباء عام. فالتكالب على الثروة والسلطان يخلق الظروف الموضوعية للوسائل غير العقلانية والرد فعلية للرفض. بصيغة أو بأخرى، ينتج الوضع البشري حالة غياب الأمن لكل من يكلف برصده، ويلقي على مجموعة محدودة من البشر مهمة تحديد الخسائر. تتم مصادرة الحق الإنساني الأبسط في السياسة الوقائية التي تصادر بالحروب الاستباقية لعنجهية القوة، ومع مركزة الشبكة الإعلامية ومحاولات تقييد الشبكة العنكبوتية يصبح المطلوب من المنظمة الحقوقية ليس فقط الحماية وإنما تعزيز وسائل التعريف بأوضاع حقوق الإنسان بالتنسيق مع الصحفيين   

الكلمة، كما هو الفعل، مسئولية. والكلمة القادرة على مخاطبة كل الثقافات واللغات بأمانة وصدق هي الأكثر انسجاما مع النفس واحتراما للآخر.

لذا، يمكن القول بكلمة، أن وسائل حماية الأشخاص المدنيين، وموضوعنا اليوم العاملين في الإعلام منهم، ليست ابنة قوانين الصحافة المتأخرة، بل المكبلة للصحفيين، وليست القوانين الاستثنائية التي تضعهم تحت مبضع المحاسبة لمجرد ممارسة عملهم بمهنية، بل تكمن في الوعي الجماعي لأهمية السلطة الرابعة في دمقرطة الحياة اليومية وفضح الوعي الزائف خاصة في ظل إمكانيات كبيرة توفرها ثورة الاتصالات وتقدم الحركة المدنية على الصعيد العالمي.  وإن لم تعط هذه السلطة حقها في الشرعة الدولية لحقوق الإنسان وتحتاج بالضرورة لإعلان مشابه لذاك الذي نجحنا في إقراره للمدافعين عن حقوق الإنسان ونعتقد بوجوب إقراره في نصين جديدين: الأول للعاملين في الحقل الإنساني والخيري، والثاني للعاملين في السلطة الرابعة.

--------------------------  

عودة

 

مراسلة الدكتور هيثم مناع

all rights reserved to Dr. Haytham Manna ®12/10/2006

مراسلة إدارة الموقع